عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

26

اللباب في علوم الكتاب

فكان قوله : وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ يقتضي عطف الشيء على نفسه ، وإنّه فاسد . والجواب يجب حمل قوله : « ما تَكْسِبُونَ » على ما يستحقّه الإنسان على فعله من ثواب وعقاب . والحاصل أنّه محمول على المكتسب « 1 » كما يقال : « هذا المال كسب فلان » ، أي : مكتسبه ، ولا يجوز حمله على نفس الكسب ؛ لأنّه يلزم منه عطف الشيء على نفسه والآية « 2 » تدل على كون الإنسان مكتسبا للفعل ، والكسب هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع ، أو دفع ضرر ، ولا يوصف فعل اللّه بأنه كسب لكونه - تعالى - منزّه عن جلب النّفع ، ودفع الضرر . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 4 ] وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 4 ) « من آية » فاعل زيدت فيه « من » لوجود الشرطين « 3 » ، فلا تعلّق لها . و « من آيات » صفة ل « آية » ، فهي في محلّ جر على اللّفظ ، أو رفع على الموضع « 4 » . وقال الواحدي « 5 » : « من » في قوله : « من آية » صفة ل « آية » أي : آية لاستغراق الجنس الذي يقع في النّفي ، كقولك : « ما أتاني من أحد » . والثانية : في قوله : « مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ » للتبعيض . والمعنى : وما يظهر لهم دليل قط من الدّلائل التي يجب فيها النّظر والاعتبار ، إلّا كانوا عنها معرضين ، والمراد بهم أهل « مكة » ، والمراد بالآيات : انشقاق القمر وغيره . وقال عطاء : يريد : من آيات القرآن . قوله : « إلّا كانوا » هذه الجملة الكونيّة في محلّ نصب على الحال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : أنّه الضمير في « تأتيهم » . والثاني : أنّه « من آية » وذلك لتخصيصها « 6 » بالوصف . و « تأتيهم » يحتمل أن يكون ماضي المعنى « 7 » لقوله : « كانوا » ، ويحتمل أن يكون مستقبل المعنى ؛ لقوله « تأتيهم » . واعلم أنّ الفعل الماضي لا يقع بعد « إلّا » إلّا بأحد شرطين : إمّا وقوعه بعد فعل

--> ( 1 ) في أ : المذهب . ( 2 ) ثبت في ب : فصل . ( 3 ) وهذان الشرطان هما : أن يكون مجرورها نكرة ، والثاني : أن يسبق بنفي أو نهي أو استفهام . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 9 . ( 5 ) ينظر : الرازي 12 / 130 . ( 6 ) في ب : لتخصيصهم . ( 7 ) في أ : الفعل .